ربما نستطيع أن نعرّف السياسة بأنها «رعاية شؤون المجتمع، ضمن حركة ذات خطة مدروسة مسبقة تضع في حسابها احتمالات المتغيرات، وتملك مرونة التكيف مع المتغيرات المحسوبة وغير المحسوبة، وتوظـّف الممكنات باتجاه تحقيق التطلعات، مستهدفة تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح، ودرء أكبر قدر ممكن من المفاسد للمجتمع، معتمدة الصدق والمبدئية والحكمة والواقعية».
أما الدين فلعلنا يمكن أن نعرّفه بأنه «منظومة العقائد والأخلاق والأحكام التي تحدد علاقة الإنسان بالله، وعلاقته على ضوء تلك العلاقة بأخيه الإنسان فردا ومجتمعا، وعلاقته بالطبيعة والكون، أو هو الرؤية التي تجيب الإنسان على أسئلته الثلاث الأساسية؛ من أين وجوده، إلى أين مآله، وأين يكون مساره بين تينك النقطتين، نقطتي المبدأ والمعاد».
هل إلهية الدين وبشرية السياسة تستلزم حاكمية الدين على السياسة؟
مقولة إلهية مصدر الدين، وبشرية مصدر السياسة، وأن الحقيقة الإلهية التي تصوغ الدين مطلقة وحق في كل الأحوال، بينما التجربة الإنسانية التي تصوغ السياسة نسبية، وبالتالي تحتمل الصواب والخطأ، والحق والباطل على حد سواء. وحيث أن اعتماد ما لا يحتمل الخطأ مقابل ما يحتمله هو أصلح للإنسان فردا ومجتمعا، دنيا وآخرة، لا سيما في القضايا الكبرى، وإن السياسة التي ترعى الشأن الاجتماعي لا بد أن تعتبر من القضايا الكبرى، لا بد على ضوء ذلك من أن يكون ما هو إلهي ومطلق ذا حاكمية على ما هو بشري ونسبي، ومن هنا لا بد من حاكمية الدين على السياسة؛ هو الذي يقودها، ويقومها، ويرسم لها طريق السير نحو مرضاة الخالق وسعادة المخلوق.
هذا الكلام يبدو في الوهلة الأولى للبعض أو لعله لكثيرين صحيحا وحقا بالضرورة، ولكن عندما نتأمله جيدا سنجد أن فيه الكثير من التبسيط والتجريد والمثالية المحلقة بعيدا فوق أرض الواقع، والكثير من الثغرات في الفهم والتفسير. فمن التبسيط والتجريد القول بإطلاقية الدين ونسبية السياسة. فالواقع أن كلا منهما؛ السياسة والدين على حد سواء نسبيان وبشريان. هذا ليس تجنيا على الحقيقة الإلهية التي لا بد لها وبضرورة العقل أن تكون مطلقة. نعم، الحقيقة الإلهية كحقيقة مجردة هي مطلقة بالبداهة، وحق لا يخالطه الباطل، وصواب إلهي لا يعكر صفوه الخطأ البشري. ولكن هذه الحقيقة نفسها هي - منظورا إليها من زاوية أخرى - نسبية. نسبيتها تتأى من حقيقة أنها مطلقة فقط بالنسبة لمن يؤمن بإطلاقيتها كحقيقة إلهية، والدليل على ذلك تعدد مصاديق هذه الحقيقة بتعدد العقائد والأديان والملل والفلسفات، فلا يمكن بالتالي اعتبار المتعدد غير المتطابق دائما كله حقا مطلقا، لأن الحق المطلق في كل شيء لا بد أن يكون واحدا، ولا يجوز بحال من الأحوال تعدده. وعلى فرض وحدة الحقيقة الإلهية من خلال وحدة العقيدة لشعب ما، فإن تعدد صور فهم هذه الحقيقة التي يفترض بها أنها مطلقة وواحدة؛ هذا التعدد في صور الفهم يجعل ما هو مطلق في عالم التجريد نسبيا في فهم الإنسان، فالحقيقة هنا إلهية مطلقة في عالم التجريد، لكنها بشرية ونسبية في واقع الحياة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان مهما تزكى وتعلم، يبقى بنسبة ما ظلوما جهولا، فتحتم جهوليته وقوعه من الناحية النظرية في الخطأ حتى فهم ما هو مطلق وحق وصواب، كما وتحتم ظلوميته وازدواجيته وقوعه في خلل الأداء من الناحية التطبيقية. فالنسبية تتكرر مرتين؛ نسبية الفهم بسبب نسبية العلم والذكاء عند الإنسان، ونسبية الأداء بسبب الازدوجية والأهواء البشرية، فهي إما أزمة ثقافة ومعرفة، أو أزمة أخلاق وتقوى، اللتان تحولان حتى الدين على فرض مطلقيته إلى حقيقة نسبية في عالم الإنسان. إذن حتى عندما تكون الحقيقة بذاتها مقدسة، فإنها تفقد قدسيتها بتلوثها في عالم الإنسان، أي عندما تدخل في ذهنه فهما يستلزم القصور، وفي عاطفته هوى يستلزم التقصير، وفي حركته ممارسة تكون انعكاسا للقصور بنسبة ما من جراء جهله النسبي مهما عَلِم وتعلـّم، والتقصير بنسبة ما من جراء ظلمه النسبي مهما زكى وتزكى، وهذا ما يعرف بالزدواجية الملازمة بنسبة ما لمعظم أفراد النوع الإنساني، أو ما يعرف بالمسافة بين النظرية والتطبيق، وبين المثال والوقع.
صحة حاكمية الدين على السياسة